• ×
الأربعاء 17 جمادي الأول 1440 | أمس
زرعة ابراهيم الجابري

امبيت امحديش

يوم مليء بالحياة مفعم بالحركة ‘أُناس يخرجون وأُناس يدخلون يباركون لأحمد برعلي بمسكنه الجديد. يتحسسون حجارته الناعمة ‘ويمتدحون سقفه المتماسك‘ويثنون على خبرة الباني وحُسن رصّه للحجارة والطين ،وينظرون إليه بإعجاب وكأنه ( قصر الحمراء )
امبيت امحديش (هكذا سموه) مكان صغير محدود المساحة، جدرانه رُصت من الحجارة الحية والطين الأخضر وسقفه صُف من عيدان المض وامسلام تتوسطها ثلاث ضُلَع من جذوع شجرة السدر يضم بعضها بعضا ويحنو بعضها على بعض وأرضه مفروشة بالطين الممزوج برائحة عرق الرجال الكادحين .
في حائطه ثلاث نوافذ يسمونها( بتَرَات) مغلقة من الخارج . وزعت جدتي آمنة عامرية حاجياتهم ومؤونتهم فيها فالبَتَرة الأولى تحوي مكحلتها ومكمها وثوبها الذي ترتديه عندما تنوي زيارة أهلها في امقويد، والبَتَرة الثانية تحوي جلجلان وشيء من تمرٍ قليل
والثالثة بها محصول العام الماضي من سيور لحم امقديد المحفوظة بعناية في زنبيل مخيّط بإحكام وعكة سمن فارغة ملأتها بدهن الحميس تحسباً لضيف ينزل بهم أو لأيام عجاف تأكل ماجمعوا .
من سقفه يتدلى فانوسٌ عجوز، ورائحة امربّة المسكوبة في زواياه تنشر أريجها في كل مكان، وعند بابه تقف جرة عليها أسمال من الخيش البالية
وعلى عتبته الحانية يحلب جدي أحمد شاته امعفراء ،وفي طلته امبحرية يتبادلن
النساء حكايات الضُحى وشُرب القهوة ، وفوق سطحه الخارجي يحتفظون ببقايا القصب اليابس وامقشاش ,وفي فنائه نمت وترعرعت حناية جدتي آمنة التي تُقاسمهم مياة الشرب وتحنو عليهم حنو الظلِ على المستظِل
وتمر الأيام والفصول وامبيت امحديش يقف شامخاً عصياً في مواجهة فوح امصيف ومسريات امخريف.
وفي ليلةٍ هادئة وقبيل الفجر شق بكاء أنيق ظلمة المكان
كما يشق الشهاب خد السماء ،ويسفر الفجر عن مولود جميل يشبه نجمة الصبح الضاحكة جهة الشرق.
حملته والدته بحب وناولته لجده أحمد برعلي فضمه إليه وأَذن في (أُذنيه) وقبل رأسه ودعا له بالخير وأرسل البشير إلي والده في (امهدان ) فترك خلفه كل حطام الدنيا وأسرع يحث الخُطا ويسابق طيور الغلس حتى وصل فضمه إليه وأَذن في (أُذنيه) مجدداً وسماه (ناصر )

ومرت السنين وتوالى الراحلون فأصبحوا لايرى إلا مساكنهم وقد محا الزمان
بهاؤها وابيضّ طينها وتهاوى سقفها .
وحين تطاول رعاة الغنم في البنيان لم يعد لمبيت امحديش مكان
أُجْتُثّ من قراره وطويت صفحته إلا من ذاكرة ذلك المحب الذي يتحدث عنه بشغف ويحن إليه حنين اليمامِ إلي عشها .
كبر ذلك الطفل وتنقل بين محطات الحياة وأصبح شامخاً كمسقط رأسه لايمكن
لبشرٍ ولا لقدرٍ أن ينال من قوته ورباطة جأشه وروحه المحبة للخير
أصبح ناصر معلماً ومربياً محباً للتربية لايجد نفسه إلا بين الطلاب ،يعشق الطبيعة بامتياز ويشجع النادي الأهلي.

بقلم / زرعة ابراهيم الجابري

 3  0  15680

جديد المقالات

أكثر

تعتبر الأخلاق من أهم مقاصد ديننا الحنيف حيث أنها أهم مقاصد بعثة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة...

فيصل المشايخ

حتى تكون لدينا قدرة أكبر على التواصل والحوار وحتى تكون حواراتنا أكثر فاعلية تعلم فن المفاوضات...


كرة القدم تلك الساحرة المستديرة ، تصنع مالا يستطيع صنعه مسؤول، أو أي آلة إعلامية في إبراز...


للماضي رائحة تشبه رائحة الطين المبلل بالمطر ، وعبق يشبه عبق الحناء الأخضر وامريحان امسوادي ، وشجن...


يعتبر التعليم من اهم الوظائف المشاركة في خلق مستقبل افضل .وغالبا مايعد تعليم الاطفال اولوية كبرى...


يقال أن أفلاطون أسس مدرسته الفلسفية في مكان يدعى " أكاديميا " ، حيث تعود تسمية...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:25 صباحاً الأربعاء 17 جمادي الأول 1440.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها