• ×
الأربعاء 17 جمادي الأول 1440 | أمس
زرعة ابراهيم الجابري

‏روايا خير

للماضي رائحة تشبه رائحة الطين المبلل بالمطر ، وعبق يشبه عبق الحناء الأخضر وامريحان امسوادي ، وشجن وحنين يرتحل بنا مع الذكريات لنقف على أطلال وآثار تلك القرية النائمة طويلا في أحضان جبل مدي .
فهاهو الجد مفرح يحزم مرجمته على بطنه ويحمل مسحاته
العتيقة على كتفه وينادي على زوجته ورفيقة دربه قبل أن يغادر عشته إلي امزهوب :
"وامحناي وامحناي " ... يسميها امحناية لحمرة شعرها ووجنتيها ورائحة الخضاب الذي لايفارق
كفيها الجميلتين رغم غزو التجاعيد لها وليونة حركتها كعيدان (حناية امفيّة )
رغم بلغوها السبعين إلا أنها فعلاً تشبه الحناء لوناً وعطراً
يناديها : "غمي على اميفا وجهّي امحطب فإن معنا (روايا خير )"
كأنه سمع صوت الرعد يسوق الغيوم كالخيول الجامحة في السماء .
وماكاد يصل امزهوب ويتفقد سنابله وعذوق امبجيدة حتى فُتحت أبواب السماء بماء منهمر
ونثرت الغيوم جدائلها على ظهر الأرض والتقت الأرض والسماء في لقاء لم يقطعه سوى
شعاع الشمس المرصع بحبيبات المطر حين أبت الشمس أن تغيب قبل أن تنسج عصابة من
الوان قوس الرحمة على جبين الأرض قبل الوداع ساعة الغروب عصافير تحط هنا وهناك
تلتقط حبات امبجيدة المتناثرة من على امزبير وفي وساد امزهب وتعود بطانا ختامها بجيدة ... .

ويسدل الليل ردائه المخملي على وجهه القرية ويسكن كل شيء إلا من بقايا المياة المتسلسلة
برقةِ في أخاديد امساقي وصورة القمر التي تتراقص على صفحة الماء وتنعكس في كل قطرة
ماء مازالت متشبثة على غصينات الأشجار فتحولها إلي لألئ مضيئة تطرز سواد الليل ، ورائحة امعرفط ، وأوارق امسدرة ، ونقيق الضفادع ، والمياة المتجمعة في أثار الاقدام ، ومأمأة الضأن المتململة في حجيتها المبللة وحسيس النار وفرقعة الحطب في اموافي تتسلل بخفة مع نسمات الليل الباردة بين امعشاش لتنفث سحرها الآخاذ في صدر الجد مفرح فيستوي جالسا بعد أن كان مرتكياً (أي متكياً) على قعادته وقد تحلق حوله امحلّه وامعوال
متعطشين لحداويه وحكاياته التي سمعها من أجداده وللأساطير والقصص التي مر بها الركبان
فتارة يروي عن الأرض وامحشوش ، وعن أوقات الجوع التي قاسمتهم أيامهم ولياليهم ولربما
سرقت من بعضهم الحياة ، وحين يروي عن الحب وسمرة الحبيبة لايكاد يرفع بصره عن الجدة
نالة (حناية امفيّة ) وهي توزع خطواتها بين امطحنة واميفا وقد شمرت أكمام ثوبها وعصبت
رأسها بطرف خمارها وهي ترخي سمعها لحكايات الحب التي تشعر انه يعنيها بها ..... .
وماهي إلا دقائق وتفوح رائحة وبخار (غضار امخضير امفتوت ) لتشق هدأة وصمت الليل وتهدئ
ضجيج البطون الباردة وجبة عضوية من هبة الطبيعة تغني عن ألف حبة فيتامين
ويأبى الجد مفرح بعد أن لعق أصابعه من بقايا الطعام إلا أن يختم أمسيته بمقطوعة فنية من
طروق مولين تغسل كدر القلوب كما غسل المطر أديم الأرض
مقطوعة تغني عن ألف مزمورة وناي .
ثم يخلد الجميع الي النوم يتواعدون بغدِ حافل بالحصاد وعناق الأرض (وليصرمنها مصبحين)
هذا المشهد يتكرر أياماً على مرأى ومسمع من جبل مدِي الذي قاسمهم الحب والحرب
والجوع والشبع والحل والترحال فكم من أُناس قطعوه فما عادوا وماوصلوا فلربما قطعت أحلام وصولهم السباع ، والضباع ، أو ربما جرف هارٍ انهار بهم في أحدى الشعاب والذين وصلوا إلى قمته وعادوا وفي جعبتهم حكايات ومناظر لم ترصدها الكاميرات عن (زهب ربي)
كما سماه مولين ومايحويه من جمال لايتصوره بشر .


بقلم / زرعة ابراهيم الجابري

 0  0  11010

سحابة الكلمات الدلالية

جديد المقالات

أكثر

تعتبر الأخلاق من أهم مقاصد ديننا الحنيف حيث أنها أهم مقاصد بعثة نبينا محمد عليه أفضل الصلاة...

فيصل المشايخ

يوم مليء بالحياة مفعم بالحركة ‘أُناس يخرجون وأُناس يدخلون يباركون لأحمد برعلي بمسكنه الجديد....


حتى تكون لدينا قدرة أكبر على التواصل والحوار وحتى تكون حواراتنا أكثر فاعلية تعلم فن المفاوضات...


كرة القدم تلك الساحرة المستديرة ، تصنع مالا يستطيع صنعه مسؤول، أو أي آلة إعلامية في إبراز...


يعتبر التعليم من اهم الوظائف المشاركة في خلق مستقبل افضل .وغالبا مايعد تعليم الاطفال اولوية كبرى...


يقال أن أفلاطون أسس مدرسته الفلسفية في مكان يدعى " أكاديميا " ، حيث تعود تسمية...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:18 صباحاً الأربعاء 17 جمادي الأول 1440.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها