• ×
أهداف التشكيك في المعلم...! للكاتب د. حمزة ال فتحي التفاؤل والحماس للكاتب إبراهيم الهلالي نجاح الحج......ورسالة السلام .. بقلم أ / إبراهيم زاهر آل علوان فخور بوطني ولي العهد يزف الأخضر إلى روسيا 2018.. لولا المعلم ما قرأت كتاباً تأثير الإعلام على المجتمع .. بقلم / أ صالحة السريحي الساعة الثالثة وخمسون دقيقه وداعًا أيها الشهم النبيل جهود الدولة لأمن الحجيج ـ للكاتبة / صالحة السريحي
صورة مقال نوافيكم

التهامييون الحقيقيون لايحبون المدن ولا يلعنون الشياطين

صورة مقال نوافيكم

 0  0  1494
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الإهداء : إلى ذلك التهامي المتمدن - الذي تحسست رأسه .. فكانت ساخنة ، ومعصوبة بالرياحين ، وصبابا ، وجبال تهامة

كان يبدو بمزاج جيد .. على غير المعتاد هنا. . ألقى التحية ، ثم ابتسم ؛ وقد ترك وراءه عبق الأزهار التهامية ، وحقل صغير يلف رأسه .. حقا كان ذلك التهامي الذي يتوخى المارة قد أحدث فيّ الدهشة ..!! تجاوز السبعين عاماً فيما يبدو لكنه يقفز كما تفعل الكنغر الاسترالي تماماً ..!!
التهامي بطبعه لا يبالي بما تحدثه الحياة من ويلات ، وصخب ، وازعاج ..!! أعني التهامي الذي لم يلتفت بعد إلى فوضى المدن ، وسخانة الماء ، والبانيو والجاكوزي ، واﻷكشاك التي تبيع القهوة الفرنسية . التهامي الحقيقي الذي لايزال يشرب بكفيه الماء ، وينتعل الحذاء المفتوح ، ويعصب على رأسه وبطنه .. أنا مطمئن تماما إذ لايزال من أولئك النفر الذين تتصالح معهم الحياة حتى النهاية الكثير .. وأظنهم هم القانعون الذين تساقط عليهم الابتسامات ، والصلوات الطيبات المخبأة عند الله ..!!
العشاق التهاميون لا يبالون بالرفاهية التي تفسد الحب .. ولا بالعقبات التي تعترض الحياة .. حتى الموت لا يعدوه إلا نهاية من تهامة لتهامة أكثر ورداً وأوتاداً وريحانا.. !! الحياة التي يعيشونها ورثوها بحكايات شاقة فهم يشعرون فيها عند المقارنة مع هذه الحياة بالنعيم المقيم ..!! إنهم يمارسون الحريات الحياتية دونما معرفة ، وخرائط ، ومصطلحات .. لا يتقنون أكثر من الابتسام ، والإعتناء بشكل جيد بتهذيب الشعر ، وإضافة البساتين الصغيرة حوله.. وبارعون جداً بالورد ، والألوان الخضراء ، ويعتقدون أن مكانها ليس الأرض بل على رؤوسهم ..!!
كان أحدهم يأمُل ، ويدعو ربه أن تنبت في رأسه شجرة حناء حتى يساقط ثمرها على لحيته التي لا ترضى دونها ..!! وكان آخر يتلو سورة اﻹاخلاص ، ويعزف على نايه قرباناً لحوض رياحين بأن يتبارك ، وأن لا يعبث به غير العشاق الجدد. . يالهم حين يقطفون الريحان بطريقة تشبه التقبيل .. يقطفونه دون أن يشعر وإن كان نائماً .!!
ليس التهامي أكثر من خارطة صغيرة للحياة المأمولة .. فلا يقسو على الجبل الأخضر الذي يحمل زهرات - العدن - وأغصان البشام ، والأراك .. هو فقط يبلغها ليمارس معها بعض أدوار الحياة في المتعة .. لا يزالون يظنون أن - العدن - مخلوق من ضلع النساء ، وأنها ليست سوى امرأة على هيئة شجرة ، وتعصب رأسها بالورد الأحمر في الربيع ..!! لا يكترثون لعدد الراقصين معها فهي للكل ، وقادرة على إرضاء ، وإرضاع الجميع..!! العدنة المفردة تستطع أن تظلل في جذعها حتى العاجزين عن تسلق صدرها ، أو الوصول ليديها .. إنها شجرة ليست شريرة ، وتعمل الصالحات .. كل من يراقصها تبقي أثراً له، وبصمة لا تزولا برغم الريح ، والفصول والأزمنة ..!! إنها تعترف بكثير من محترفي الرقص في صمت .. ذات مرة سألتني عن أحدهم كانت تقول بنبرة عاشقة : ترى أين هو ؟ ومن تكون المرأة الأخرى التي كانت أوفر حظاً من بقية النساء ..!! لقد كان عاشقاً حقيقياً من الزمن الأكبر ..!! كانت العدنة تلك قد رددت - الله أكبر - مرتين ، أو مئة .. لا أتذكر تحديداً لكنها فيما يبدو أصبحت عاجزة حتى لقبلة .. لقد طاف عليها الطائفون حتى أصبحت كالهشيم ..!! إنها تنبت فينا الذكريات ، وتستلب منا الطاقات ، وتلهمنا بكتابة الشعر ، ولعن الشيطان اﻷكبر ..!!
التهاميون الحقيقيون يتعاطون الود في كل نهار .. ليس لديهم أعياداً لفعل ذلك .. فكل شمس تشرق لهم الأعياد ، وتشع عليهم بالابتسامات .. يضحكون في حبور ، ويلتقون في الظهيرة لتجفف الشمس قلوبهم ، ونواصي غدهم .. ليس لديهم أرباب متجمعون ، أو متفرقون للعبادة والتقرب .. !! هم يفعلون فقط ما يوجب عليهم التوحيد ، ويحقق الفطرة ..!! في عباداتهم لا يتقنون أكثر من النوايا الطيبة ، والأفعال التي تضمن لهم رؤية الله .. لا يبالغون في العبادات ، ولا يستغفرون كثيراً إذ همو دون خطايا .. !!
التهاميون الحقيقيون عبروا إلى هنا من جيل نقي .. لقد اجتازوا مشقات الزمن الماضي ليصلوا ، ثم يتفرسوا في تأمل الرفاهيات المنكرة .. لم يكونوا ليمكثوا هنا لو كان بالإمكان العودة لتلك الأزمنة اليابسة .. لقد تمنى أحدهم مرة أن يفنى ، ثم يبعث في ذلك الزمان شريطة أن يكون كما هو ، وبعمره الذي قضاه هناك بين الوادي ، والجبل ، والقطيع ، والمطر ..!! الأرض يابسة هنا ، والبشر هنا مصابة بالجفاف ، والعفن .. هكذا قال حين هم أن يبتسم.!!
لقد حكى لي قصته المثيرة التي اعتلى فيها على سور عشيقة القرية ، وكاد الكلب الأسود أن يقضم مؤخرته ، ويفسد عليه فروسيته .. لقد كتب لها كما يقول رسالتان لم يخبرني إلا عن واحدة .. هي باقة من زهر الشذاب ، والبرك ، وغصنين من السكب .. كانت هي الأخرى تكحل عينيه ، وتقدم له باقة من الحناء والأمان ..!! تأسف بمرارة على زمن القفز ، وسمفونيات النباح الملهمة التي كانت تسمع من مكان قريب ..!!
التهاميون الحقيقيون مفتونون فطرياً بالغناء ، والموسيقا.. فالطبيعة هناك عازفة ، وماهرة ؛ حتى أقبل جيل لا يحني لحيته ليوبخ تلك الفطرة ، ويتهمها ، ويكسرها على فخذيه .. !! كان يقول لي : إن أولئك مصابون بالجنون لاشك .. ولا يعرفون الله .. ألا يدركون أن الطريق إليه شاق ، وإن لم تصاحبه الموسيقا ، واللهو فلن نتمكن من الوصول ..!!
لقد أقسم على الله ذلك الأغبر مؤكداً بأنه سيبره ويوحي لأحد من العالمين ليكسر ظهر من كسر مزمورة الراعي التي كانت تجلب له البركة ، ويهش بها على غنمه ..!! استاء مكحول العينين ممن لا يعطون للحياة لو فرصة للهدوء ، والطمأنينة ..!! سأعود ، وبسرعة إلى ذلك الزمن ، وإن يكن قبورا .. لازلت أذكر جيداً أن هناك قبراً مفتوحاً ، والبقاء فيه بمنأى عن هذه الحياة المغضوبة شيء من الفضيلة ، وانتظار للجنة ..!! لقد أرغمني على الإنصراف بويل ، وعطش للأودية الحقيقية ، والأمطار المرتقبة ، وشجر السدر ، ولعب - الخولة - على أصابع الصبايا في الأصيل بالحصى ..!! التهاميون الحقيقيون لا يكثرون من لعن الشياطين فهم منزوعو النوايا السيئة ، ولا يختلط بهم خبث المرفهون ، والمشتعلون بالحياة .. !!
لا هم لهم أكثر من الاستيقاظ قبل الشمس ، ومشاركة الطير التقاط الرزق .. والتجول حفاة بين السنابل ، وانتظار غيمة حبلى بالغيث لتلد في العشي .. لا يبدو أنهم يستاؤون من نشرات الأخبار المسائية ، ويطلقون عليها رصاصة من التجاهل !!
في الليالي يحين موعدهم مع الظلام ، والمنازل المحروسة بالكلاب المجهدة .. وموعد آخر يختبئ في ظمأ الأب لإطفاء الفانوس ، والهجرة تحت الظلام للوسائد المعطرة بالفرح .. لم تكن الحياة تقفز من التهاميين أكثر من خطوتي طفل !!
اللحظات التي كان فيها التهامي يغسل رداءه على الركايا بجوار العاشقات هي اللحظة التي تشبهها الأفلام التي تتحدث عن البراءات الدائمة للعشاق الحقيقين . !!
التهاميون الحقيقيون لا ينتقلون مع الزمن للمدن كما الرياح التي تحمل الأتربة ، إنما يبقون في أماكنهم كالنبات الذي لا يتنفس إلا من شمس الجبل ، وحوض الريحان. . هم قديسيون من النزاهات .. آمنون .. لا يعرفون الفساد ، ولا تلوث البيئة ، ولا الشواطئ المكتظة بالقذارة والشذوذ..!!
لو كان يحيى يستطيع الالتفات للوراء لأحضر من الأمس عمراً ، ووادياً ، ومطراً ، وباقة معطرة من النساء ؛ لكن يحيى لا يستطيع النظر لأكثر من ثقب الباب ، واللوحات السريالية على الجدار الذي أمامه ، وجهاز التكييف الذي على درجة البرودة العالية ..!! كانت الشمس تسأل عنه كل يوم .. حتى إذا ما تعبت أتلفت كل الأسئلة ، وغلقت الأبواب..!! لايزال- يحيى - هنا .. والشمس هناك لكنهما لا يلتقيان عند ذات الغدير ، وتحت شجرة السدرة العجوز .. !!
من أخبر أولئك البررة أن المكان المناسب لتهاميين عاشقين ولدا من الفضاء هي غرفة باردة ، ومفتاح ، وسرر مرفوعة ..؟ ليس المكان الذي يضمنا ، ويبعث علينا الحديد هوائه البارد أكثر من سجن ، وانتظار لموت مثلج ..!! ما كنت لأظن التهاميين الحقيقين يرضون الوداع بتلك الصورة ..!!
الاحتضار ، وأنت تنظر للسماء ، والقمر هو الفناء بطريقة السماويين الذين يأخذهم الله إليه مباشرة ، ويحملهم على النسائم الدافئة.. هذا أفضل حالاً من الموت مكبوباً على وجهك ، والتكييف على الدرجة العالية .. أليس كذلك ؟
ليس المكان المناسب للعشاق التهاميون الراحلون إلى الآخرة ، إلا صخرة مجوفة في حضن جبل ، أو في آخر مقطوعة من الناى الخشبي .!!
السجن في غرفة باردة هو الخطوة ما قبل الأخيرة للغروب..!! هكذا أعتقد ..!! ليس علينا أن نضع التهاميون في مكان قارس. . إنهم لا يعرفون كيف يتعاملون مع الأغطية الثقيلة ، والفرو اﻹيطالي .. ومتى أردنا أن نمد لهم من العمر مدا فلنقرب منهم الأرض ، والسماء الأولى ، وزهرة السكب .

* لا يلتقي التهامي ، والمدينة تماما كالمؤمن وجهنم

* اﻷغنياء لا يجمعون الحطب
الأنبياء والتهاميون فقط من يفعل ذلك


عبدالله المحسني



 0  0  1494
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

أكثر

عدستنا في المقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ nwafecom@nwafecom.net ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:24 صباحًا الجمعة 2 يناير 1439.