• ×
الخميس 9 رمضان 1439 | اليوم

أدريس - الذي أحيا الناس جميعا



 3  0  1115
صورة مقال نوافيكم

وقد ورد النبأ العظيم .. والأشياء التي نفر منها تكون موثقة .. منذ الليالي المطفأة إجباراً ، ومنذ القمر الذي تسامر معنا ، والذي كان يقاطع حديث أبي- حين يعبر بغيمة .. منذ تلك الليالي وهو يمضي في أحاديث القرية الوسطى ، وبكامل قوى الدهشة كانت الطفولة تتلقاه ، وكأنه شيئاً من الأساطير ، أو تلك المعجزات التي تحدث في الطابق العلوي من الأرض.. لم يكن أسمه فقط هو ما يمتاز به ، ويرسخه في أذهاننا .. لكن شيئاً من صفاته كانت كفيلة كذلك بأن تجعله دائم الرسوخ .. كان - إدريس - يمضي ذات مرة من غيابي المكاني بين أرفف الأحذية في الدكانة القديمة يختار بين هذه ، وتلك ، والطفل الذي يقبض على يده اليمني يختار منها الباهظ فيرفض ، ويختار له الأنسب والأقل سعراً .. لم أعرفه ..أخبرني بائع الأحذية في تذمر بأن إدريس هو هذا الفاعل .. أيّ إدريس ليس في ذاكرتي المبتلاة إلا إدريس واحد ، وقد كان هو الذي سامرته ليالي في ردهة السور الأسمنتي المتشقق ، وبصحبة القمر وأبي الطيب ..!!
منذ تلك الحكايا التي كانت تبني في عقول الرجال القرويين الأبهة ، والفضيلة ، والنقاء ، والالتزام ، وأمنيات المماثلة ، وقصة استنقاذ قاتل من الآخرة واستبقائه في الحياة ، والتي فتحت لها أبواب السماء وأمطرت من حينها خيراً كثيراً .. منذ تلك الحكاية التي لا تحدث إلا قليلاً ؛ وذلك الرجل يملئ بضياء نفسه ما بين المشرق والمغرب .. لم يكن الحمار الذي يحمل بعض احتياجات القرى هو المفتاح المبين .. لم يكن هو ذاك فقط .. كان الرب من قد أحسن قسمته من الدنيا فأتاه ما لم يكن يعلم .. استنفذ رجل من الفرار من الحياة ، واستبقى رجلاً ليحيا به رجالا ..!! كانت حكمة إلهية مقدرة .. وانقياد فطري ، وتكويني من إنسان لا يملك إلا ما يعتق به نفساً ، وقد أحياها -إدريس - وكأنه أحيا الناس جميعا .
كان ذلك الإدريس فيما يذكره الذاكرون رجل لم يختلف رغم الأجيال التي تعاقبت عليه .. فلسفته الحياتية لا تتماهى مع طوفان الحياة ، والطموحات الدنيا .. لا يؤمن تماماً بالحياة ، وربما بكل ما فيها ..!! إنه يشاهد الجنة ، وأظنه لم يعد بالبعيد عنها .. لا يشرك في عطاءه إلا الله الذي يرجو رؤيته والبقاء لديه .. كان يجتهد بأن لا يعلق به شيء من المال المغضوب عليه ،ويدرأ بإحسانه ما قد يسخط ربه من سيئات البشر . لقد كنا نخشى على أنفسنا من غضب الله حين كان ادريس العجوز العاجز يتلوه ، وبذكره ولا نستطيع أن نفعل ذلك .!! الحسنات التي تلتصق بالبشر بأفعال البعض هي في الحقيقة أرواح مؤمنة يبعثها الله لتوفر لنا السعادة ، وتلك الحسنات الجلال هي الفعل الإنساني الحقيقي الذي قدمنا به من عالم الغيب .. وقد امتزجت حسنات إدريس المعلنة بالعديد من أنواع المخلوقين حتى طالت الذاكرون الصغار في المكان المقدس .. لقد أوحى لهم إن اعبدوا الله بكرة وعشيا ولكم جزاء الحسنى .
الزهو الذي يصيب به الشيطان بعض أولياءه ممن أفاء الله عليهم فهم بين التفاخر بالمال ، والبنون .. كان الإدريس في منأى عن كل تلك الأشياء التي يظنها تفاهة ، وحماقة ، وانتقاص ، وعمل غير صالح .. كان بسيطاً لينا ، ومن رآه ظنه لا يملك قوت يومه .. ليس لديه عمالقة بشرية تسير حوله ، وعن يمينه ، وشماله .. ولا لديه مواكب ، وقصور ، ومزارع ومراكب ، وشاليهات الخمسة نجوم في جزر البندقية ، أو الهاوي.. كان الله يحرسه بطيبته ، وقلبه ، وبملكين عن يمينه وشماله .. لا أظنه يعرف أن هناك عباءات تصل قيمتها إلى مئات الألاف من الريالات ، ولا يدرك أن وليمة لأحدهم في قصره الذي تجري الأنهار من تحته قد تستنزف ملايين الريالات .. قد أفاء الله عليه ، وزاده بسطه في المال ، والقلب ، واﻹنسان . كان يفسر محبة رؤية ربه للنعمة عليه بتفسير آخر غير ذلك المحّرف عند أولئك الباذخون المسرفون إخوان الشياطين .. كان اشتراكياً وإن لم يكن يعلم ما تعني الاشتراكية - لكنه يشرك في ماله كل من يحتاج .. لم تكن الدنيا أكبر همه فباركها الله له .
ورد النبأ .. والشجرة التي ظللت الأيامى ، والأيتام ، والمساكين قد غربت شمسها ، ولن تشرق إلا في الطرف الآخر .. لكن الجذور الإدريسية - عميقة ، وممتدة في أرواح البشر ولن تفنى ، ولن تغيب وهي أبدية الشروق.. !!
ما علمنا منه ، ومالم نعلم ليس إلا نزر يسير من الفضائل والمكرمات .. وما لا يعلمه إلا الله ، وهو ، وآخرون في السر ذاك خير ، وأبقى ، وهو ما سيجول به بين الفردوس ، وطوبى ، وأنهار العسل المصفى بإذن ربه .


 3  0  1115

جديد المقالات

أكثر

في الوسط الثقافي وبين منتقد ومؤيد نعيش اليوم أزمة تحديد هوية وعي واتباع إلى درجة السقوط الفوضوي...


لطالما حدثْنا أنفسنا باهْتِبَال فرصة رمضان، ولكم مَنَّيْنَاها بصلاحها فيه، ولطالما عاهدنا أنفسنا...


حاولت أن أكتب شيء من حزني .. فطالما تمثلت الأحزان أمامي وكنت اكتبها بشيء من ترتيب الحروف ورشة...


الشخص الحساس ذلك القريب أو الزميل الذي تتعامل معه في حياتك اليومية، وقد انكمش على نفسه،...

د. عبدالله سافر الغامدي

قد يكون دوري البلوت والذي أنطلق مؤخرا ، منقذا لبعض الجماهير الرياضية ، والتي لم تستطع فرقها...


قبل أن أبدأ في كتابة مقالي هذا أريد أن أخبركم بكلمات تجعلونها نصب أعينكم وتحتفظون بها في كل وقت...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:24 مساءً الخميس 9 رمضان 1439.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

كل مافي هذه الصحيفة خدمة لكم ،، ونسعى للأفضل ،، وجميع الحقوق محفوظة لأصحابها